أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
109
التوحيد
فهذا أحق ؛ إذ هو أقرب إلى العين وأولى أن يكون دليلا لما غاب عنا ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم تكلم هؤلاء بما تكلم به أصحاب الطبائع : إن ذلك الصانع إنما خرج فعله محكما متقنا بما عنده من العلم وله من القدرة ، ولولا ذلك لما احتمل ما ذكرت ، فإنه بما سبق من التدبير استقام ذلك ، فمثله أمر النجوم ، لو كان على ما يقول كان يكون ذلك كذلك بتدبير عليم حكيم أنشأه على ذلك . ولو كان إليها التدبير لما يحتمل أن تتعب نفسها بالسير والحركات الدائمة وتؤلمها ؛ إذ كذلك حال الأحياء في الشاهد ، إن تلك الأحوال تتعبهم وتؤلمهم ، أو أن يكون من الموات فيكون بتدبير غيرها كان الذي كان ، على ما ذكر من قصة الديباج . على أنه يعلم أنه لو قدر على ذلك بلا إتعاب نفسه لاختاره عليه ليعلم أن كل ذلك بتدبير حكيم عليم غني استعمل جميع ما ذكر فيما ذكر ، ولا قوة إلّا باللّه . وبعد ، فإنه لو جاز القول في عالمنا إنه بتدبير من ذكر لجاز مثله فيمن ذكر أنه كان بتدبير من يعلوه ، كذلك إلى ما لا نهاية له ، وفي ذلك بطلان قولهم في تدبير النجوم ، أو يرجع إلى نهاية وفي ذلك فساد قولهم في رفع النهاية عن الأشياء وإيجاب القول بواحد إليه يرجع تدبير جميع ما ذكر ، وهو العالم بعواقب الأمور المقدر في كل ما إليه ينتهي . على أن هؤلاء قد أقروا بقولهم أن ليس لهم قول ؛ لأنهم زعموا أن لا اختيار لهم ، لكنهم مضطرون فيما يقولون ، وكذلك خصومهم فيما يكذبونهم ، فيكون ذلك التكاذب والتناقض من هذا المدبر ، ومن ذلك تدبيره فهو المفسد ، ومن ذلك قدر قوله فهو لم يقل عند نفسه . وفي ذلك وجهان : أحدهما سقوط قوله فيبقى قول الموحدين ، والثاني إنكاره العيان والاختيار الذي يعلمه كل أحد وكل عاقل ، ومن أنكر العيان الذي يحيط به حسّه ، ثم يدعى غائبا - لا يبلغه حسّه - بالذي أنكر مما أدركه حسّه فهو بحمد اللّه مكفي المئونة حقيق الهجر ، وباللّه المعونة . ولو كانت الأحوال مدفوعة إليها لما ترك أحد الأكل والشرب لخوف ، ولما أقدم عليها لشهوة ، ولما أصاب لشيء من ذلك لذة ، وكل ذلك موجود فيما عليه الطباع ، حتى كان فيمن عظم من ذلك أقل منه فيمن صغر ، ولو كان بالطبيعة أو اتصال بالنجوم يجب أن يكون على كل قلب به . وبعد ، فإن خروج الأفعال المختلفة وأحوالها محال وجودها من ذي طبع كالتبريد والتسخين والشر والخير ، فثبت أن ليس أصل شيء منه بذي طبع ولكن بعليم حكيم جعل كل شيء على ذلك بالخلقة والوجود ، ولو كانت الأفعال بالدفع لم يمكن الفاعل الامتناع كالمدفوع في قفاه ، والذي يهوي من فوق بيت ، والموثوق بالحبال ، ولا قوة إلّا باللّه . وفي الوجود إن المفلوج يعلم أنه لا يمتنع عما تلي ، وكذلك الأعمى